فوزي آل سيف
25
الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط
إن الطفل الذي ينشأ، وهو يسمع مثل هذا الكلام منذ كان عمره ثلاث سنوات، إنها طامة كبرى وجريمة بحق ابنك أن تسمعه كلاما يلوث شخصيته لأنه فاقد للتمحيص كونك بالنسبة إليه القدوة الأولى، ماذا يُتوقع منه عندما يكون شابًا! لا سيما وهو يتخذ أباه وأمه قدوة!. يسمع منهما ويخزن ما يسمع، ثم يعيد إخراجه من جديد. مع زوجته ومع المجتمع.. ولهذا كان من الضروري (تعقيم) بيئة المنزل من بذاءة اللسان. حتى على المستوى البسيط، كتغيير الأسماء، حتى في هذا ينبغي التدقيق فيه! لا تنادِ ابنك: "عبدوه"، و"حمدوه"، وما شابه. لا تقل: هو شيء بسيط. إذا تعود الشخص أن يسمع كلامًا على غير جهته، أو فيه مقدار من الاستهزاء أو السخرية أو البذاءة، غدا هو يفرغ هذا على غيره، وينادي الآخرين بالنحو الذي تعلمه! عن الإنتخاب اللفظي في القرآن الكريم: إننا نلاحظ أن القرآن الكريم ينتخب الألفاظ بدقة عالية، حتى مع كونها غير بذيئة ولكن ينتخب أجمل الألفاظ وما لا يحمل إيحاءات سلبية، فمثلا: عندما يريد أن يعبر عن الجماع بين الرجل والمرأة، لا يستعمل هذا التعبير. وإنما يقول: (فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ)[46]. مباشرة، أي اجعل البشرة على البشرة. أو كما في آية أخرى، يقول: (أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ)[47]. أو مثل: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ)[48]، وأمثال هذا. بينما تجد قسم من الناس يعبر لك عن هذه الكلمات - عن هذا الفعل - بألفاظ مباشرة، جنسية، واضحة، صريحة، في مسمع ومرأى من لا يناسب أن يسمعها كالأطفال. وفي ذلك خدش لبراءة وطهارة الطفل والطفلة. ومن ذلك في الروايات ما تم التوجيه إليه من أنه يستحب للفتيات مثلا أن يتعلمن سورة النور قبل أن يتعلمن سورة يوسف. لماذا؟ لأن طابع سورة النور العام طابع نورانية، وتوجيهات أخلاقية، أحكام شرعية. لكن في قصة يوسف، مع أن القرآن الكريم عالجها بأفضل ما يمكن معالجته من خلال الألفاظ، لكن حيث أن القصة في جزء منها، فيها جانب دعوة إلى الممارسة الجنسية من قبل امرأة العزيز، يأتي التوجيه أن تعلمها سورة النور أولا. أي امنحها الأرضية الأخلاقية اللازمة قبل أن تنفتح على أمر العلاقة الجنسية، وعلاقة الحب وما شابه ذلك. وحتى فيما يرتبط بغير القضايا الجنسية، فالقرآن لا يباشر في الكلام. وإنما يكنّي ويورّي فإذا أراد أن يتحدث عن عملية الإفراغ والإخراج، يترك الألفاظ المباشرة المستهجنة، ويأتي بما يلازمها مما يكون مفهومًا وفي نفس الوقت عفيفًا وناعمًا فالقرآن الكريم عندما يتحدث عنها يقول: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ)[49] أتدري ما معنى الغائط في اللغة؟ معناه: المكان المنخفض. يقال: ذهبنا إلى غائط من الأرض.. وقد كانوا إذا أرادوا قضاء الحاجة ولم يكن في البيوت (كُنُف وبيوت خلاء) يذهبون في العراء إلى مكان منخفض، وهو الذي يقال له في اللغة الغائط. وربما لو استعمل القرآن الكريم العبارات المباشرة في العملية الجنسية، أو عملية الإخراج وقضاء الحاجة، لم يكن ذلك استعمالًا خاطئًا، ولكن الله من خلال كتابه يريد أن يعلمنا عفة اللسان حتى بهذا المقدار.
--> 46 البقرة: 187 47 النساء: 43 48 البقرة: 186 49 النساء: 43